أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
542
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المؤمنة يشتمل على منافع أخرويّة ونكاح المشركة الحرة يشتمل على منافع دنيوية ، هذا إذا التزمنا بأن « أفعل » لا بد أن يدلّ على زيادة ما وإلّا فلا حاجة إلى هذا التأويل كما هو مذهب الفراء وجماعة . وقوله : مِنْ مُشْرِكَةٍ يحتمل أن يكون « مشركة » صفة لمحذوف مدلول عليه بمقابله أي : من حرّة مشركة ، أو مدلول عليه بلفظه أي : من أمة مشركة ، على حسب الخلاف في قوله : « ولأمة » هل المراد المملوكة للآدميين أو مطلق النساء لأنهنّ ملك للّه تعالى ؟ وكذلك الخلاف في قوله : « ولعبد مؤمن خير من مشرك » والكلام عليه كالكلام على هذا . قوله : وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وقوله : « ولو أعجبكم » هذه الجملة في محلّ نصب على الحال ، وقد تقدّم أنّ « لو » هذه في مثل هذا التركيب شرطية بمعنى « إن » نحو : « ردّوا السائل ولو بظلف محرق » « 1 » ، وأنّ الواو للعطف على حال محذوفة ، التقدير : خير من مشركة على كلّ حال ، ولو في هذه الحال ، وأنّ هذا يكون لاستقصاء الأحوال ، وأنّ ما بعد « لو » هذه إنما يأتي وهو مناف لما قبله بوجه ما ، فالإعجاب مناف لحكم الخيرية ، ومقتض جواز النكاح لرغبة الناكح فيها . وقال أبو البقاء : « لو » هنا بمعنى « إن » ، وكذا كلّ موضع وقع بعد « لو » الفعل الماضي ، وكان جوابها متقدما عليها ، وكونها بمعنى « إن » لا يشترط فيه تقدّم جوابها ، ألا ترى أنّهم قالوا في قوله تعالى : لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ « 2 » إنها بمعنى « إن » مع أنّ جوابها وهو « خافوا » متأخّر عنها ، وقد نصّ هو على ذلك في آية النساء قال في خافوا : « وهو جواب « لو » ومعناها « إن » . قوله : وَالْمَغْفِرَةِ الجمهور على جرّ « المغفرة » عطفا على « الجنة » و « بإذنه » متعلّق بيدعو ، أي : بتسهيله . وفي غير هذه الآية تقدّمت « المغفرة » على الجنة : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ « 3 » وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ « 4 » ، وهذا هو الأصل لأنّ المغفرة سبب في دخول الجنّة ، وإنما أخّرت هنا للمقابلة ، فإنّ قبلها « يدعو إلى النار » ، فقدّم الجنة ليقابل بها النار لفظا ، ولتشوّق النفوس إليها حين ذكر دعاء اللّه إليها فأتى بالأشرف . وقرأ الحسن « والمغفرة بإذنه » على الابتداء والخبر ، أي : حاصلة بإذنه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 222 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) قوله تعالى : عَنِ الْمَحِيضِ : مفعل من الحيض ، ويراد به المصدر والزمان والمكان ، تقول : حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا ، فبنوه على مفعل ومفعل بالكسر والفتح .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور ( 6622 ) ، ومسلم في الأيمان ( 1652 ) ، وأبو داود ( 2929 ) ، والترمذي ( 1529 ) . ( 2 ) سورة النساء ، آية ( 9 ) . ( 3 ) سورة الحديد ، آية ( 21 ) . ( 4 ) سورة آل عمران ، آية ( ) .